انطلق قطار موازنة العام 2020 في جلسة أولى عقدت أمس في السراي الحكومي، على وقع حدثين قد يشكلان دعماً كبيراً للاقتصاد اللبناني، الأول الزيارة التي يقوم بها رئيس الحكومة سعد الحريري غداً الى باريس، والثانية اعلان وزير المالية السعودية نية بلاده دعم لبنان مالياً، ما شكّل انعاشاً لسوق السندات ودفع بالرئيس الحريري الى التوجه فوراً الى المملكة لبحث الموضوع.

السعودية على خط الأزمة اللبنانية

اذاً، اتخذ الاعلان السعودي المفاجئ أمس عن نية المملكة العربية السعودية مدّ لبنان بدعم مالي دلالات مهمة وبارزة، مع ان طبيعة الدعم المحتمل لم تتضح بعد، كما انها ليست المرة الاولى منذ تصاعدت معالم الاخطار المالية والاقتصادية في لبنان بقوة في الآونة الاخيرة يجري الحديث عن دعم مماثل. لكن التطور الجديد اكتسب جدية كبيرة من خلال مجموعة مؤشرات أبرزها ان الاعلان جاء على لسان المسؤول السعودي المعني مباشرة بهذا الملف أي وزير المالية السعودي محمد الجدعان بما يعني انه لا يترك مجالا للاجتهاد والتفسيرات أقله حيال جدية خطوة الدعم. والمؤشر الثاني تمثل في ارتفاع وتيرة التنسيق المباشر بين رئيس الوزراء سعد الحريري الذي علمت “النهار” انه يتولى هذا الملف شخصياً ويشرف على أدق التفاصيل فيه بنفسه، والجانب السعودي سواء في المملكة أو عبر السفارة السعودية في بيروت.

وفي هذا السياق جاء توجه الحريري عصر أمس الى المملكة قبيل زيارته لباريس غدا حيث سيلتقي الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، بمثابة دلالة على أهمية التحضيرات الجارية على مسارين: مسار الاستعدادات اللبنانية – السعودية ومسار الاستعدادات اللبنانية – الفرنسية لاطلاق مشاريع الدعم المتنوعة للبنان مالياً واستثمارياً في المرحلة الطالعة، الامر الذي يؤمل ان يبدأ معه تأمين جرعات الانعاش الاقتصادي والمالي التي يحتاج لبنان اليها بالحاح وسط اشتداد الضيق العام والانكماش الذي يعانيه اقتصاده. ولذا تكتسب مشاورات الرئيس الحريري مع الرياض وباريس أهمية مفصلية عشية لقائه الرئيس ماكرون، باعتبار انه سبق للحريري ان كرر ان هذا اللقاء سيكون بمثابة نقطة انطلاق تنفيذ مقررات مؤتمر “سيدر”. ومعلوم ان فرنسا والمملكة العربية السعودية غالباً ما كانتا الدولتين الاكثر اهتماما بتوفير الدعم للبنان.

وقالت اوساط وزارية وسياسية بارزة لـ”النهار” في هذا السياق إن الاعلان السعودي امس عن تقديم دعم مالي للبنان، عدا كونه خلّف آثاراً مالية ايجابية فورية، اكتسب دلالات سياسية وديبلوماسية لافتة للغاية من حيث ان السعودية المنشغلة باحدى اخطر الازمات التي تواجهها من خلال الهجوم على منشآت نفطية لديها والتداعيات الضخمة لهذا الهجوم لم تسقط اهمية الالتفات الى الواقع اللبناني في هذا التوقيت بالذات وكأن في ذلك رسالة عن ادراكها خطورة تفاقم الاوضاع في لبنان ومنع التوظيف الاقليمي المعروف لهذه الازمة ومساعدة لبنان تاليا على تجاوز الاخطار التي تحدق باوضاعه الاقتصادية والمالية.

في المقابل، قالت مصادر مطلعة لـ”اللواء” ان زيارة الحريري تكتسب اهميتها من انها تأتي في ظرف إقليمي صعب، وفي ظل تهديدات تتعرض لها المملكة، الأمر الذي يفترض التضامن معها، في المواجهة الجارية، فضلاً عن دور المملكة في المساهمة في إنجاح مهمة الحريري في باريس من أجل تحريك الـ11 مليار دولار المخصصة لدعم البنى التحتية اللبنانية، والتحضير لاجتماع اللجنة المشتركة اللبنانية- السعودية.

وفي تقدير مصادر سياسية، ان المحادثات التي سيجريها الرئيس الحريري في المملكة يُمكن ان ينعكس إيجاباً على محادثاته في باريس، بالنظر إلى الثقل الذي تمثله المملكة على صعيد الاستثمارات، وعلى صعيد المساهمة في “سيدر” والتي ستكون العنوان الرئيس لمهمة الحريري في العاصمة الفرنسية.

محادثات مع قطر

وفي سياق متصل، ترددت معلومات عبر “الأخبار” عن أن رئيس الحكومة قد يلتقي أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني، الذي يزور باريس للقاء الرئيس الفرنسي في الوقت ذاته، إذ أشارت المصادر إلى أن “رئيس الحكومة طلب منه المساعدة في إقناع ماكرون بجدية الجهود التي تقوم بها الدولة اللبنانية بهدف إنقاذ الوضع المالي”، لكن مصادر الحريري نفت ذلك.

درس الموازنة مستمر

هذا على الصعيد العربي، اما على الصعيد المحلي، فقد باشر مجلس الوزراء أمس درس مشروع موازنة العام 2020، وعلى الرغم من الهدوء التي اتسمت فيه الجلسة، الاّ ان نقطة أساسية احتدم النقاش حولها في جلسة أمس، هي المتعلقة بإعطاء سلفة لمؤسسة كهرباء لبنان بقيمة 1500 مليار، كما نصّت المادة 13 من مشروع الموازنة، إذ إن التقديرات تشير إلى أن المؤسسة بحاجة إلى 2800 مليار ليرة. وفي هذا الإطار، لفت وزير المال إلى أن تحديد المبلغ بـ1500 مليار، الهدف منه توفير نحو 1000 مليار من عجز الموازنة بناءً على خطة الكهرباء التي تنص على زيادة الإنتاج عام 2020، وبالتالي إمكان زيادة التعرفة. غير أن الوزير سليم جريصاتي اقترح زيادة قيمة السلفة لتصِل إلى 1800 مليار ليرة، لكن وزيرة الطاقة ندى البستاني أكدت أنه لن يكون كافياً، لذا كان الاتفاق على تأجيل البحث بهذا البند إلى حين الانتهاء من مناقشة الموازنة. أكثر من مصدر وزاري أكد لـ”الأخبار” أن “خفض دعم الكهرباء سيؤدي حتماً إلى زيادة التقنين، لأن الخطط الموضوعة لزيادة إنتاج الكهرباء تأجلت لأسباب عدة”.

ورأت هذه المصادر أنه “في حال الاتفاق على خفض الدعم الذي تقدمه الدولة لمؤسسة الكهرباء، فإن ذلك يعني إجبارها إما على زيادة التعرفة أو زيادة التقنين. وبما أن زيادة التعرفة من دون زيادة الإنتاج أمر يُصعب تحقيقه، يصبح خيار زيادة التقنين الأكثر ترجيحاً”. ورأت المصادر أن “فكرة التوفير من الدعم هي فكرة بلا جدوى حسابية، لأنه في مقابل التوفير من الكهرباء زادت كلفة الدين العام نحو 900 مليار ليرة، وكلفة الرواتب والأجور 300 مليار”، مشيرة إلى أن “الدولة لا تفكر في خفض العجز إلا عبر الكهرباء، ما يعني عملياً زيادة الكلفة المباشرة على السكان، لأن زيادة التقنين تعني زيادة في فاتورة المولدات”.

القوات والورقة الاقتصادية

من ناحيتها، كشفت مصادر وزارية قواتية لـ”اللواء” ان ورقتها ستسلمها الى مجلس الوزراء قبل يوم الاثنين المقبل وهي ستكون اقتصادية وتتضمن مقاربة عملية للإجراءات، خصوصا ان هناك قرارات تدخل في نص الموازنة كقرارات وقوانين ومراسيم يجب ان تبت من قبل مجلس الوزراء وكذلك مجلس النواب، لكي يتم تفعيلها وتنعكس ارقامها في الموازنة والا تكون الموازنة وضعت كعملية ورقية تعتمد على ما يسر الله من نتائج.

واعتبرت المصادر ان موازنة 2019 على ارض الواقع هي مغايرة، وشددت على ضرورة ان تتمّ الترجمة العملية لكل النقاط بأفعال. واعتبرت ان الورقة التي قدمها الوزير جبران باسيل تتضمن افكاراً عامة مطروحة من قبل.

واشارت المصادر الى ان بنود الموازنة المرتبطة بالأرقام ستتم مناقشتها بعد الانتهاء من المواد الاجرائية، واستبعدت ان يعقد مجلس الوزراء جلسة له يوم الثلاثاء المقبل وذلك بسبب الدعوة الى جلسة عامة لمجلس النواب في 24 أيلول الحالي.

على صعيد اخر، كشفت مصادر وزارية لـ”اللواء” ان الرئيس الحريري يجري لقاءات واجتماعات مع وزير المال وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة لمعالجة بعض الامور الاساسية الحياتية مثل موضوع القمح والنفط بعيدا عن الاعلام.